عبد الرحيم الدمرداش باشا: الرجل الذي أسّس صرحًا طبيًا لخدمة المجتمع

يُعتبر عبد الرحيم مصطفى الدمرداش باشا واحدًا من أبرز الشخصيات الخيرية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ورجلًا ترك أثرًا خالدًا لا يزال المجتمع يجني ثماره حتى اليوم. فبفضل رؤيته وكرمه، تأسست مستشفى الدمرداش عام 1928 كمستشفى خيري مجاني، أصبح لاحقًا واحدًا من أهم الصروح الطبية والتعليمية في مصر والشرق الأوسط.

وُلِد الدمرداش باشا في أسرة معروفة بمكانتها الاجتماعية، كما كان شيخًا للطريقة الدمرداشية، إضافة إلى نشاطه الاقتصادي والتجاري. ورغم نجاحاته الكبيرة، كان اهتمامه الأول موجّهًا نحو خدمة المجتمع، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا. وقد ظهر هذا الاهتمام في قراره التاريخي بإنشاء مستشفى مجاني في حي العباسية، يخدم المرضى دون أي تمييز.

بداية تأسيس المستشفى

في عام 1928، تبرع عبد الرحيم الدمرداش باشا بالإنشاء الكامل للمستشفى، بهدف تقديم رعاية طبية مجانية للفقراء، بشرط أن تكون الأمراض غير معدية حفاظًا على المرضى والعاملين معًا. وبعد ثلاث سنوات، وتحديدًا عام 1931، افتُتحت العيادات الخارجية رسميًا وبدأت في استقبال المرضى، لتصبح المستشفى واحدة من أولى المؤسسات الطبية المجانية المنظمة في مصر.

تميز المشروع منذ بدايته بأنه خيري بالكامل، يهدف لتقديم خدمة إنسانية في وقت كان الحصول على الرعاية الصحية أمرًا صعبًا على الكثيرين.

رؤية تتجاوز العلاج إلى بناء الإنسان

لم يتوقف طموح الدمرداش باشا عند إنشاء مبنى طبي، بل كانت رؤيته أعمق:
كان يؤمن بأن الصحة والتعليم هما أساس نهضة المجتمع، ولذلك حرص على ربط المستشفى بالتعليم الطبي. وفي عام 1947، تم إنشاء كلية طب داخل المستشفى، لتتحول إلى مركز طبي تعليمي متكامل. وبعد تأسيس جامعة عين شمس رسميًا عام 1950، أصبحت المستشفى جزءًا من الجامعة، وأحد أهم مراكزها العلاجية والتعليمية.

هذا الربط بين المستشفى والتعليم الطبي جعلها مركزًا لتخريج أجيال من الأطباء، وأسهم في رفع مستوى الطب في مصر بشكل واضح. واليوم، لا يمكن الحديث عن تطور المنظومة الطبية الجامعية دون ذكر الدور الذي لعبه الدمرداش باشا في وضع أساس قوي لهذا النمو.

أثره المستمر حتى اليوم

رغم مرور ما يقرب من مئة عام على تأسيس المستشفى، لا يزال أثر عبد الرحيم الدمرداش باشا حاضرًا بقوة. فقد تحولت المستشفى من مبنى خيري بسيط إلى صرح جامعي ضخم يخدم مئات الآلاف من المرضى سنويًا، ويضم عشرات الأقسام المتخصصة، ووحدات الرعاية الحرجة، والخدمات التشخيصية، إلى جانب كونه مركزًا علميًا وتعليميًا بارزًا.

كما أن استمرار تطوير المستشفى اليوم بدعم من جمعية نهضة طب عين شمس يُعد امتدادًا طبيعيًا لرؤية المؤسس في تعزيز دور المجتمع في دعم الرعاية الصحية.

خاتمة

لقد كان عبد الرحيم الدمرداش باشا نموذجًا لرجل يرى أثر عمله على الأجيال، فرؤية الإنسان تتجلى في ما يتركه وراءه، وما تركه هو كان صرحًا طبيًا وتعليميًا لا يزال يخدم مصر حتى الآن. واليوم، يستمر إرثه في تحسين حياة المرضى، ودعم التعليم الطبي، وبناء منظومة صحية أقوى تخدم المجتمع بكل فئاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
تبرع الآن